ابن عجيبة

594

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : كما شهد الحق تعالى لرسوله بالنبوة والرسالة ، شهد لمن كان على قدمه من ورثته الخاصة بالولاية والخصوصية ، وهم الأولياء العارفون بالله ، وشهادته لهم بما أظهر عليهم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، وبما أتحفهم به من الأخلاق النبوية والمحاسن البهية ، وبما أظهر على أيديهم من الكرامات الظاهرة مع الاستقامة الشرعية ، لكن لا يدرك هذه الشهادة إلا من سبقت له العناية ، وكان له حظ في الولاية . « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ! ولم يوصل إليه إلا من أراد أن يوصله إليه » وبالله التوفيق . ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه الشهادة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 167 إلى 169 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ( 167 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) قلت : ( خالدين ) : حال مقدرة . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزلت على رسولنا من اليهود أو غيرهم ، وَصَدُّوا الناس عن طريق الله الموصلة إليه ، قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد عن الانقلاع . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم ، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته ، أو ظلموا أنفسهم بالانهماك في الكفر ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن من مات على الكفر مخلد في النار ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لا يصعب عليه ولا يتعاظمه . الإشارة : إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها ، وصدوا الناس عن القصد إليها والدخول في حزبها ؛ قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالا بعيدا ، إذ لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله ؛ لأنهم باب الحضرة ، فلا بد من الأدب معهم والخضوع لهم . إن الذين كفروا بأولياء الله ، وظلموا أنفسهم ؛ حيث حرموها الوصول ، وتركوها في أودية الخواطر تجول ، لم يكن الله ليستر مساوئهم ويقدس سرائرهم ، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة ، وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم ، والعياذ بالله .